أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
224
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قوله تعالى : ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ . . والعفو : المحو ، ومنه « عفا اللّه عنكم » أي : محا ذنوبكم ، والعافية لأنها تمحو السّقم ، وعفت الريح الأثر ، قال : 465 - فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها * لما نسجتها من جنوب وشمأل « 1 » وقيل : عفا كذا أي : كثر ، ومنه « وأعفوا اللّحى » « 2 » فيكون من الأضداد . وقال ابن عطية : « العفو تغطية الأثر وإذهاب الحال الأول من الذّنب أو غيره ولا يستعمل العفو بمعنى الصّفح إلا في الذنب » . وهذا الذي قاله قريب من تفسير الغفران ، لأنّ الغفر التغطية والسّتر ، ومنه : المغفر ، ولكن قد فرّق بينهما بأنّ العفو يجوز أن يكون بعد العقوبة فيجتمع معها ، وأمّا الغفران فلا يكون مع عقوبة . وقال الراغب : « العفو : القصد لتناول الشيء ، يقال : عفاه واعتفاه أي قصده متناولا ما عنده ، وعفت الريح التراب قصدتها متناولة آثارها ، وعفت الديار كأنها قصدت نحو البلى ، وعفا النبت والشّعر قصد تناول الزيادة ، وعفوت عنك كأنه قصد إزالة ذنبه صارفا عنه ، وأعفيت كذا أي تركته يعفو ويكثر ومنه « وأعفوا اللّحى » فجعل القصد قدرا مشتركا في العفو ، وهذا ينفي كونه من الأضداد ، وهو كلام حسن ، وقال الشاعر : 466 - . . . * إذا ردّ عافي القدر من يستعيرها « 3 » معناه : أنّ العافي هنا ما يبقى في القدر من المرق ونحوه ، فإذا أراد أحد [ أن ] يستعير القدر يعلّل صاحبها بالعافي الذي فيها ، فالعافي فاعل ، ومن يستعيرها مفعول ، وهو من الإسناد المجازي لأنّ الرادّ في الحقيقة صاحب القدر بسبب العافي . وقوله : « تَشْكُرُونَ » في محلّ رفع خبر « لعلّ » ، وقد تقدّم تفسير الشكر عند ذكر الحمد . وقال الراغب : « وهو تصوّر النّعمة وإظهارها ، وقيل : هو مقلوب عن الكشر أي الكشف وهو ضدّ الكفر ، فإنه تغطية النّعمة . وقيل : أصله من عين شكري أي ممتلئة ، فهو على هذا الامتلاء من ذكر المنعم عليه » . وشكر من الأفعال المتعدّية بنفسها تارة وبحرف الجرّ أخرى وليس أحدهما أصلا للآخر على الصحيح ، فمن المتعدّي بنفسه قول عمرو ابن لحيّ : 467 - هم جمعوا بؤسى ونعمى عليكم * فهلّا شكرت القوم إذ لم تقاتل « 4 » ومن المتعدّي بحرف الجرّ قوله تعالى : « وَاشْكُرُوا لِي » « 5 » وسيأتي هناك تحقيقه .
--> ( 1 ) البيت من معلقة امرئ القيس انظر ديوانه شرح المعلقات للتبريزي ( 13 ) ، الشنقيطي ( 58 ) . ( 2 ) أخرجه البخاري ( 10 / 351 ) ، وأخرجه أبو عوانة ( 1 / 188 ) ، وأخرجه النسائي في الزينة باب ( 2 ) ، وأحمد في المسند ( 2 / 52 ) ، والبيهقي من السنن ( 1 / 49 ) ، والطبراني في الكبير ( 11 / 152 ) ، والبخاري في التاريخ ( 1 / 140 ) ، والطحاوي في معاني الآثار ( 4 / 230 ) . ( 3 ) عجز بيت للأعشى وصدره : فلا تصرميني وأسألي ما خليقتي * . . . انظر ديوانه ( 371 ) ، الكشاف ( 4 / 393 ) . ( 4 ) البيت في معاني القرآن للفراء ( 1 / 92 ) ، الطبري ( 3 / 212 ) ، وهو من شواهد البحر ( 1 / 447 ) . ( 5 ) سورة البقرة ، آية ( 152 ) .